السيد علي عاشور

85

موسوعة أهل البيت ( ع )

يا هذا يرحمك اللّه إنّ اللّه تعالى لم يخلق الخلق عبثا ولا أهملهم سدى ، بل خلقهم بقدرته وجعل لهم أسماعا وأبصارا وقلوبا وألبابا ، ثمّ بعث إليهم النبيّين مبشّرين ومنذرين يأمرونهم بطاعته ، وينهونهم عن معصيته ، ويعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم ، وأنزل عليهم كتابا وبعث إليهم ملائكة ، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعل لهم عليهم ، وما آتاهم اللّه من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة والآيات الغالبة ، فمنهم من جعل النار عليه بردا وسلاما واتخذه خليلا ، ومنهم من كلّمه تكليما وجعل عصاه ثعبانا مبينا ، ومنهم من أحيى الموتى بإذن اللّه وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن اللّه ، ومنهم من علّمه منطق الطير وأوتي من كلّ شيء ، ثمّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رحمة للعالمين وتمّم نعمته وختم به أنبياءه ، وأرسله إلى الناس كافّة ، وأظهر من صدقه ما أظهر ، وبيّن من آياته وعلاماته ما بيّن ، ثمّ قبضه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حميدا فقيدا سعيدا ، وجعل الأمر من بعده إلى أخيه وابن عمّه ووصيّه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السّلام . ثمّ إلى الأوصياء من ولده واحدا بعد واحد ، أحيى بهم دينه ، وأتمّ بهم نوره ، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمّهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقا بيّنا تعرف به الحجّة من المحجوج والإمام من المأموم ، بأن عصمهم من الذنوب وبرأهم من العيوب ، وطهّرهم من الدنس ونزّههم من اللبس وجعلهم خزّان علمه ومستودع حكمته وموضع سرّه وأيّدهم بالدلائل ، ولولا ذلك لكان الناس على سواء ، ولادّعى أمر اللّه عزّ وجلّ كلّ أحد ، ولما عرف الحقّ من الباطل ولا العلم من الجهل ، وقد ادّعى هذا المبطل المدّعي على اللّه الكذب بما ادّعاه ، فلا أدري بأي حالة هي له رجا أن يتمّ دعواه في دين اللّه ، فوالله ما يعرف حلالا من حرام ولا يفرّق بين خطأ وصواب ، فما يعلم حقّا من باطل ولا محكما من متشابه ، ولا يعرف حدّ الصلاة ولا وقتها ، أم بورع ، فاللّه شهيد على تركه الصلاة الفريضة أربعين يوما يزعم ذلك لطلب الشعوذة « 1 » ولعلّ خبره تأدّى إليكم ، وهاتيك طروق منكرة منصوبة وآثار عصيانه للّه عزّ وجلّ مشهودة قائمة ، أم بآية فليأت بها أم بحجّة فليعمّها أم بدلالة فليذكرها قال اللّه عزّ وجلّ في كتابه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ، ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ، قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ « 2 » . فالتمس تولّى اللّه توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك وامتحنه ، واسأله عن آية من كتاب اللّه يفسّرها أو صلاة يبيّن حدودها وما يجب فيها لتعلم حاله ومقداره ، ويظهر لك عواره ونقصانه واللّه

--> ( 1 ) الشعبذة . ( 2 ) سورة الأحقاف ، الآيات : 1 - 6 .